محمد بن عبد المنعم الحميري
18
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير فائدةٍ تجدي ، ثم وعدهم خيراً ، وصرفوا إلى موضع حبسهم ، إلى أن بدأ جرى الريح الغربية ؛ فعمر بهم زورق وعصبت عيونهم وجرى بهم في البحر برهةً من الدهر . قال القوم : قدرنا أنه جرى بنا ثلاثة أيامٍ بلياليها ، حتى جئ بنا إلى البر ، فأخرجنا وكتفنا إلى خلفٍ ، وتركنا بالساحل إلى أن تضاحى النهار ، وطلعت الشمس ، ونحن في ضنكٍ وسوء حالٍ من شدة الكتاف ، حتى سمعنا ضوضاء وأصوات ناسٍ فصحنا بجملتنا ، فأقبل القوم إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة ؛ فحلوا أو ثاقنا وسألونا فأخبرناهم بخبرنا ، وكانوا برابر ، فقال لنا أحدهم : أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم ؟ فقلنا : لا ، فقال : مسيرة شهرين ! فقال زعيم القوم : واأسفى ! فسمى المكان إلى اليوم آسفي ، وهو المرسى الذي في أقصى المغرب . إشبيلية مدينة بالأندلس جليلة بينها وبين قرطبة مسيرة ثلاثة أيامٍ ، ومن الأميال ثمانون . وهي مدينة قديمة أزلية ، يذكر أهل العلم باللسان اللطينى أن أصل تسميتها إشبالى معناه المدينة المنبسطة ، ويقال إن الذي بناها يوليش القيصر ، وإنه أول من تسمى قيصر ، وكان سبب بنائه إياها أنه لما دخل الأندلس ووصل إلى مكانها أعجبه كرم ساحته ، وطيب أرضه ، وجبله المعروف بالشرف . فردم على النهر الأكبر مكاناً ، وأقام فيه المدينة وأحدق عليها بأسوارٍ من صخرٍ ، وبنى في وسط المدينة قصبتين